بقلم الإعلامية رادا الجوهري 

هل الخذلان لم يعد استثناءً… بل صار جزءًا مألوفًا من العلاقات اليومية؟! سؤال يطرح نفسه كل يوم ويحتاج إلى إجابة قاطعة ولكن لا حياة لمن تنادي! لم تعد العلاقات الإنسانية تُبنى على الودّ أو النقاء كما كانت تُصوَّر في الكتب، بل باتت تُدار – في كثير من الأحيان – بمنطق بارد عنوانه: “ماذا سأستفيد؟” أو أنا ومن بعدي الطوفان! في العامية المصرية اختُصِرهذا الواقع المرير في عبارة لافتة للنظر مفادها: “المصالح بتتصالح” أي لِمَ أُضَيِّع وقتي وأعرفك وعلاقتك التي أظن أنها حميمية وقائمة على الإخلاص والتفاني قد تُعطِّلني عن هدفٍ أسمى— هكذا يبرّر “المصلحجي” الذي !”ما عطّلكش طالما مش حستفيد”يعرف من أين تُؤكل الكتف منطقه قائلاً: هذه العبارة لا تحمل مجرد سخرية عابرة، بل تعكس تحوّلًا عميقًا في بنية العلاقات الاجتماعية، حيث أصبح العطاء مشروطًا، والمساعدة محسوبة، والخير مؤجلًا حتى إشعار آخر! منطق غريب في زمن أغرب.. ولكنني أتساءل: ما ذنبُ الزمن الذي يُتَّخذ شماعةً يُعلِّق عليها صاحبُ المصلحة عيوبَه ويخفي بها نواقصه ، وكما قال الإمام الشافعي: نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا وما لزمانِنا عيبٌ سِوانا ونهجو ذا الزمانَ بغيرِ ذنبٍ ولو نطقَ الزمانُ لنا هجانا هذه الأبيات تقلب المعادلة التي نهرب إليها دائمًا: لكن الحقيقة التي لا مفرّ منها أننا نُلقي اللوم على “الزمن”،حيث يضعنا الشافعي أمام المرآة التي نرى فيها أنفسنا بلا زيف. المشكلة ليست في الأيام، بل في أفعالنا ونفوسنا؛ نحن من نُسقِط القيم، ثم نشتكي غيابها بل ونحن من نُشوِّه المعنى، ثم نتحسّر على ضياعه، ولو كان للزمن لسان، لفضح تناقضنا: نلومه على قسوتنا، ونشكو من نتائج ما نصنعه نحن بأيدينا. وخير شاهد على ذلك أمثلة كثيرة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: شاب مجتهد يمتلك من الكفاءة ما يؤهله لوظيفة محترمة ويطرق باب صديق يعرف جيدًا أنه قادر على ترشيحه لكن الرد يأتي بكل برود وجفاء: “وأنا مالي” أو لألسف ليس بإمكاني مساعدتك لا لشيء، إلا لأن المساعدة لم تعد واجبًا أخلاقيًا، بل “خسارة محتملة” في ميزان المصالح. وفي مشهد آخر، تسأل أمٌّ جارتها عن مدرسة دولية قد سبق أن التحق بها أبناؤها. تبتسم الجارة وتعدها بالمساعدة، ولا تعطيها رقم الشخص الذي يمكن أن يساعدها، ولا تكتفي بذلك بل تختفي كما لو كانت “فص ملح وذاب” ليس لأن الأمر مستحيل، بل لأن بذل الجهد لأجل الآخرين لم يعد أولوية. ولو أُحصِيَتِ الأمثلةُ فلن تكفيَها مئاتُ المقالاتِ والكتبِ. وأذكرُ منها: موظفٌ يمتلكُ معلومةً بسيطةً قد تُساعِدُ زميلَه في إنجازِ عملِه، لكنَّه يحتفِظُ بها ليبدوَ الأفضلَ. أو طالبٌ متفوِّقٌ يرفضُ شرحَ فكرةٍ لزميلِه خوفًا من المنافسة، رغم أنَّه لو فكَّرَ ولو لِثوانٍ معدودةٍ أنَّ الفرصةَ جاءته على طبقٍ من ذهبٍ لينالَ الأجرَ والثوابَ، لَما تأخَّر؛ لأنَّ زميلَه سيعرِفُ الفكرةَ من مصدرٍ آخر، وقد يتفوَّقُ عليه فيما بعد. وأحيانًا نجدُ صانعَ محتوىً يتعمَّدُ عدمَ ذكرِ الأدواتِ التي ساعدتْه على النجاح. وأمثلةٌ كثيرةٌ من هذا النمطِ من الأنانية، وكأنَّ هذا «المصلحجي» يُنصِّبُ نفسَه مُقَسِّمًا للأرزاقِ التي هي في الأصل بيدِ الله يهبها لمن يشاء ويصرفها عمن يشاء. تخيَّل مجتمعًا يُدارُ بالكامل بهذه العقلية… لا أحدَ يمدُّ يدَه إلا بمقابل، ولا نصيحةَ مجانيةً، ولا دعمَ بلا حساب، ولا أحد—إلا من رحم ربي—يمدُّ يدَ العون إلا بثمن، حتى وإن كانت هذه المساعدةُ لن تُكلِّفه شيئًا مهما طال الزمان! هل يمكن أن نُسمِّيَه مجتمعًا… أم مجردَ شبكةِ مصالح؟! وأحكي لكم قصة عنوانها: “حين يتحوّل العلم إلى احتكار” في إحدى قاعات الجامعة، كان محمود معروفًا بين زملائه بأنه “الأذكى في الدفعة”… لكنه لم يكن الأكثر عطاءً في يومٍ سابقٍ لميعاد الامتحان، اقترب منه زميله الجديد سامي وقال له بتردد أنه يطلب مساعدته، قالها وهو ينظر في عيني صديقه، مترددًا بين الأمل والخجل: “ممكن تشرح لي النقطة دي؟ أنا مش فاهمها خالص ألقى محمود نظرة سريعة على الصفحة… وفهم السؤال فورًا لكنه أغلق الكتاب قليلًا وقال ببرود: “الموضوع ده محتاج مجهود… حاول تذاكرها بنفسك عاد سامي إلى مكانه شاعرًا بالخِزيِّ والخِذلان، بعد أن تعرَّض لهذا الموقف المؤسف، بينما شعر محمود بنوعٍ غريبٍ من الارتياح… وفي داخله، كان صوته يهمس: “كل ما يفضل تايه… أنا أبان أذكى مرّت الأيام، وجاء يوم عرض مشروع المادة أمام الدكتور وقف سامي يشرح فكرته بثقة، متحدثًا عن محاولاته الكثيرة لفهم النقاط الصعبة، وكيف بحث وسأل حتى وصل للحل كان عرضه بسيطًا… لكنه نابع من جهدٍ حقيقي، والأهم من ذلك أنه لم يبخل بالعلم. ثم جاء دور محمود كان عرضه متقنًا… لكنه فردي، خالٍ من أي روح تعاون نظر الدكتور إليهما، ثم قال: التميز مش بس إنك تفهم، التميّز الحقيقي أن تُعين غيرك على الفهم؛ فقيمةُ العلم أن يُنتفَع به. والعلمُ عطاءٌ وليس حِكْرًا على أحد. في تلك اللحظة، لم يخسر محمود مجرد درجات في الامتحان… بل خسر شيئًا أعمق: صورته التي رسمها لنفسه خرج من القاعة وهو يدرك متأخرًا أن التفوّق الذي يُخفى… لا يرفع صاحبه ولا شيء يدوم لأن دوام الحال من المحال. وأن من يمنع النور عن غيره… يعيش في ظله أما سامي، فقد نال التقدير… لأنه تعلّم، ولم يمنع غيره من أن يتعلّم. والأغرب أن هذه الظاهرة تسلّلت حتى إلى أبسط تفاصيل حياتنا. فحتى فقدان الوزن لم يَسلم منها؛ تسأل صديقةٌ عن السر، فتأتيك بإجابةٍ سطحية: “رياضة بس! بينما تُخفي الحقيقة؛ كخضوعها لعمليةٍ أو اتباعها نظامًا صارمًا. وكأن مشاركة التجربة أصبحت شيئًا لا ترغب في الإفصاح عنه. ولا يختلف الأمر كثيرًا في تفاصيل أخرى من حياتنا اليومية؛ كما تُخفِي إحداهن سرّ فقدان وزنها، قد تُخفِي أخرى سرَّ طبقٍ أبدعت فيه حين تُدعى إلى الغداء أو العشاء ويعجبك طبقٌ ما، تسأل صاحبةَ البيت عن طريقته، فتمنحك وصفةً ناقصة أو إجابةً عامة، وكأنها تُبقي سرًّا صغيرًا لنفسها، لتظلّ هي وحدها صاحبة التميّز ومحلَّ الإعجاب، أو كأنها تستأثر لنقسها بهذه الميزة حتى لو كان ما أخفته لا يُنقِص منها شيئًا لو شاركته. المشكلة لا تكمن في أن الناس تغيّرت، بل في أنَّ العطاءَ أصبحَ يُنظَرُ إليه بوصفِهِ عِبْئًا وليس فَضْلًا. وهل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسانُ؟ فالخير لم يعد غائبًا، لكنه أصبح مشروطًا في كثير من الأحيان. في خِضَمِّ هذا الواقع، يبقى السؤال: هل أصبح الإحسانُ سلوكًا نادرًا؟ أم أن الخيرَ لا يزال موجودًا، لكنه يحتاجُ إلى شجاعةٍ ليظهر؟ “وَمَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَزَاءَه” لكن القليل مَن يَتَذَكَّرُ هذه القيم ويتمسك بها. ورغم كل ما نعيشه من واقع مفروض علينا ، يبقى هناك من يعطي دون حساب، ويساعد دون مقابل، ويؤمن أن الخير لا يضيع. وهؤلاء… هم الاستثناء الجميل في زمن المصالح!